Page 87 - web
P. 87

‫خط ًرا على أمن الوطن والمواطن‪ ،‬بل والإنسانية جمعاء‪ ،‬وبهذا يكون الهدف‬                ‫وفق هذا المنظور يعتبر الإدماج‬

                                ‫المحوري للسياسات الجنائية‪ ،‬وفق النظرة الحديثة‪ ،‬هو تنفيذ العقوبة التي يقرها‬           ‫الاجتماعي نتيجة‪ ‬لتأهيل‬
                                ‫القانون وإصلاح أكبر عدد من السجناء بإعطائهم فرصة ثانية للعودة إلى أحضان‬             ‫السجناء‪ ‬وإعدادهم تربويًا‬
                                                                                                                    ‫ونفس ًيا واجتماع ًيا ومهن ًيا‬
                                                                                                     ‫مجتمعهم‪.‬‬
                                 ‫ولعل من بين العوائق التي قد تواجهها العملية‪ ،‬الواقع الاقتصادي العام الذي‬

                                ‫تعيشه معظم الدول من بطالة‪ ،‬والوضع الق ْبلي للسجين أي قبل دخوله السجن‪،‬‬                  ‫للقدرة على التعايش من‬
                                       ‫الذي يكون في الغالب مثقاًًل بالديون‪ ،‬وفي وضع اجتماعي صعب‪ ،‬وصعوبة‬             ‫جديد مع ذويهم ومحيطهم‬

                                    ‫قبول المجتمع العربي المحافظ لبعض الفئات من السجناء‪ ،‬منهم المتورطون في‬                             ‫الاجتماعي‬
                                  ‫قضايا جنسية ضد ال ُق ّصر وقضايا الإرهاب‪ ،‬وأي ًضا غياب الجمعيات والمؤسسات‬

                                ‫الاجتماعية الفاعلة التي ترافق المفرج عنهم وذويهم لتمكين إدماجهم الاجتماعي‪،‬‬

                                ‫ونقص الدراسات والبحوث المتخصصة في الموضوع على مستوى الوطن العربي‪.‬‬

                                ‫إذ من الواجب النظر بإيجابية لعملية تأهيل وإدماج السجناء في المجتمع؛ لما‬

                                ‫توفره من مزايا تصب في جوهرها في المحاربة الجذرية للجريمة ومعاودتها‪ ،‬مع‬

                                ‫إشراك المفرج عنهم المستفيدين من الإدماج الاجتماعي في العمل الوقائي والتوعية‬

                                ‫والإرشاد في الأوساط الشبابية‪ ،‬وفي المجمعات السكنية والأحياء‪ ،‬والاستعانة‬

                                ‫بهم كعينات في التحليل الجنائي ورسم الخطط المستقبلية‪ ،‬وأي ًضا إشراكهم ضمن‬

                                ‫مقاربة مجتمعية وجوارية في العمل الشرطي التوعوي لمحاربة العنف الحضري‬

                                ‫الذي بدأ في التوسع ببعض المدن العربية بشكل لافت للانتباه‪ ،‬ومن المزايا أي ًضا‬

                                ‫إرجاع الأفراد إلى أحضان المجتمع‪ ،‬والح ّد من ثقل الميزانيات والنفقات المالية لقطاع‬

                                ‫السجون‪ ،‬لتخصيصها لنشاطات التأهيل والإدماج‪.‬‬

                                ‫ولهذا دولنا العربية وبحكم تاريخها وشيمها وأخلاقها الحميدة المستمدة من‬

                                ‫السماحة والعفو والتوبة‪ ،‬التي يثمنها الإسلام ويثيب عليها أحسن الجزاء‬

                                ‫في الأولى والآخرة‪ ،‬تتبنى أساليب إنسانية في معاملة السجناء لتمكينهم من‬

                                ‫الإقلاع عن الجريمة والعدول عنها نهائ ًيا‪ ،‬بتأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع‬

                                ‫ومرافقتهم بداية من دخولهم المؤسسات العقابية والإصلاحيات إلى حين قضاء‬

                                ‫عقوبتهم القانونية والإفراج عنهم‪ ،‬وما هذا إلا لتحقيق هدف سا ٍم وأساسي يتمثل‬
                                ‫في إعطاء فرصة ثانية للفرد‪ ،‬وجعله صال ًحا ومنت ًجا‪ ،‬ومساه ًما في تعزيز أمن وطنه‬

                                 ‫واستقرار مجتمعه وأن لا يكون عالة على وطنه بمشاركته في التنمية الاقتصادية‪.‬‬
                                ‫والدول العربية وفق المنظور الدولي وتنفي ًذا لما تسطره المنظمات الأممية والإقليمية‬

                                ‫من برامج وخطط في مجال مكافحة الجريمة‪ ،‬فإنها تقدم جهو ًدا جيدة وتخصص‬

                                ‫ميزانيات ثقيلة لتأهيل وإعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد الإفراج عنهم‪،‬‬

                                ‫مع مراعاة خصوصيات مجتمعاتها واحتياجاتها التي تتضمنها سياستها الجنائية‬

                                ‫الهادفة من جهة إلى تجسيد دولة القانون والقصاص والإنصاف‪ ،‬ومن جهة أخرى‬
                                  ‫استرجاع أبناء الوطن وأنسنة السجون واحترام حقوق الإنسان‪ ،‬إيما ًنا منها بأن‬

                                ‫الإنسان يبقى الثروة الحقيقية في المجتمع التي تستدعي كل الاهتمام والرعاية‬

                                ‫والعناية‪ ،‬باعتبار أن السياسة الجنائية تع ّدت النظرة التقليدية المتمثلة في تنفيذ‬

‫العقوبة على الجناة فقط‪ ،‬بل أصبحت من منظور حديث تسعى إلى إصلاح ‪87‬‬
                    ‫السجناء وتأهيلهم لضمان عدم عودتهم للإجرام‪ ،‬وفق برامج علمية وتطبيقية‬

                                ‫مدروسة مستنبطة من تبادل التجارب والاستفادة من الخطط الاسترشادية‬

                                ‫الأممية والدولية بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية وطن ًيا وإقليم ًيا ودول ًيا‪.‬‬

                                ‫وفق هذا المنظور يعتبر الإدماج الاجتماعي نتيجة‪ ‬لتأهيل السجناء‪ ‬وإعدادهم تربو ًيا‬

‫العدد ‪ - 442‬ابريل ‪ -‬يونيو ‪2022‬‬  ‫ونفس ًيا واجتماع ًيا ومهن ًيا للقدرة على التعايش من جديد مع ذويهم ومحيطهم‬
    ‫إعلامية ‪ -‬أمنية ‪ -‬ثقافية‬
                                ‫الاجتماعي والعودة للعيش في المجتمع بطريقة إيجابية دون مشاعر الحقد‬

                                ‫والانتقام والنقص‪ ،‬وبالتالي طي صفحة السجن والجريمة نهائ ًيا‪ ،‬وبداية حياة‬

                                ‫جديدة ترتكز على التوبة النصوح والعمل الجاد والفاعلية الاجتماعية‪.‬‬
   82   83   84   85   86   87   88   89   90   91   92